الأدب الملتزم وأديبه – بول مخلوف – 3 كانون الثاني 2017

11825834_996793693718843_4990065018015160140_nالأدب الملتزم وأديبه: عن ’رامي عليق‘؛ مفاهيمه وأشياء أخرى

لم يحظ الأدب الملتزم في لبنان بالأهمية التي توازي دعواته إذ لم يستطع فعلا تغيير الحياة كما نادى بها. الأدب الملتزم بكل مكوناته وتشعباته وأساليبه، إن كان في الشعر أو في القصة أو في الرواية. ماهية الأدب الملتزم كمادة جوهرية تعنى بالحياة اليومية، كجسم فعال يراقب الواقع بتأنّ، بذاتية، بغائية.

هذا النوع من الأدب الذي يكون عادة ارتكاساً في الموجود، لا ردة فعل بغية الانتقام بل برهان عقلاني يأتي من النص، بين السطور، وراء الأحرف بتسلسل منطقي وواضح للبرهان وللتوكيد على حجة يقدمها الكاتب بعد استدلالات عقلية ممتزجة مع حالات انفعالية عادة ما تأخذ حيزاً ثوريا أًو تغييرياً كرغبة.

الأدب الملتزم بذاته حالة وجودية، ليس فقط لأنه يفرض على كاتبه نمط حياة معينة بل لأنه يحادث الواقع ككل، لأن التزامه يبدأ من أبسط الأشياء حتى أعقدها، من إشارة السير مثلاً إلى معنى المادية التاريخية أو المثالية الألمانية والفرق بينهما.

هذا النوع من الأدب في عالمنا العربي لا يزال صامتاً، ولا نعرف إذا كان هنالك عدد وافر – على الأقل في يومنا هذا – من كتاّبه ربما لأن سوق المبيعات عموماً لا تطلب هكذا نوع من الكتب.

أو ربما لأننا لا نزال حتى الآن نعرّف الأدب بأنه مادة جمالية بالدرجة الأولى، سامية وراقية متعالية على ظروف الحياة. وهذا فعلاً أمر خطير، بغض النظر عن مدى جديته في الآونة الراهنة، لأن النقاش فيه عندنا قد تراجع نقدياً لعدم قدرته الفاعلة على تغيير الواقع، فاتجه أكثر ليكون وليد اللحظة، رصاصة مسدس تطلق عند العجز وقبلة دافئة في عيد الحب.

أو على الأرجح لأن هذا النوع من الكتابة يتطلب عقلاً حراً، كلاماً واضحاً ومباشراً لا علاقة له بالشعر ولا بالإنشاء بل نثر قاس وحديث، فج ومباشر يتخلله أدوات أدبية للإنقاذ من واقع معقد لم يترك مجالاً للحلول لأن لا محدوديتها كثيرة ولا معقوليتها أيضاً، فيكون (الأدب) ملتزماً بالدرجة الأولى إزاء الكاتب على شكل راحة، كنسمة هواء في يوم حار أو ككوب ماء بعد ساعات من العطش.

لقد تفاجأ الجميع، كل العالم، بجائزة نوبل هذه السنة، وصاحبها كان الفنان ’’بوب ديلان‘‘. لقد اجتمع الكل على تصنيف ’’بوب ديلان‘‘ بأنه فنان ملتزم، وهو كذلك. صاحب الجائزة كان من الأوائل الذين أدخلوا مفهوم الالتزام على الأغنية في الغرب. لذا يؤدي هذا الاعتراف بأهمية الالتزام إلى اعتباره لحظة تاريخية مفصلية يجب التقاطها والبناء عليها. أما في عالمنا العربي فهناك مغنّون ملتزمون، غير معروفين كثيراً، ولكن يوجد. غير معروفين لأنهم مؤدلجون بالدرجة الأولى.

هناك أيضاً روائيون ملتزمون، وليست (الرواية الملتزمة) حصراً لفريق واحد بل لكل الأطراف، فهناك على سبيل المثال روائيون يساريون في لبنان كتبوا بنفَس واقعي وهنالك روائيون على ذمة اليمين في لبنان كتبوا الرواية كرواية حقيقية بأسلوب شبه أسطوري أو قائم على قيم مترفعة عن النصف الثاني من الكوب. ولكن هذا النوع من الرواية في لبنان أخذ اتجاهاً مغايراً، واتجه البعض إلى الكتابة الصحفية كونها بجوهرها الانطلاقة للحديث عن الحدث أو لوقفة قسرية للتعبير.

في كل حال، هنالك دائما أجيال، والجيل الجديد وأقصد به جيل ما بعد الحرب يجب أن يأخذ حقه أيضاً. هنالك كاتب ويدعى ’’رامي عليق‘‘ لا أعرفه شخصياً ولا أعرف الكثير عنه. إنه أولاً روائي ملتزم. روائي ملتزم بكل ما للكلمة من معنى لأن كتابه “طريق النحل” يتحدث عن السياسي في الحياة بأسلوب أدبي. رواية حداثوية بالدرجة الأولى لأنها تحكي عن تجربة ذاتية، والسيرة الذاتية ليست رائجة في عالمنا العربي وإذا لا بد منا أن نكون صريحين، السيرة الذاتية ليست أساساً ’’محبوبة‘‘.

تمكن هذا الرجل أن يفضح بأدبه ما رآه قضية وطنية واشتغل بواجب. كان متقناً لعمله، لأن ’’عليق‘‘ في روايته كان دقيقاً إذ استعمل الأدب للمعالجة وللمحاكاة، فلم يغلب عليه الأسلوب الصحفي إذ لم يقدم وثائق وملفات ولا أوراقاً رسمية مرجعها القانون وغيره، وأيضاً لم يغلب عليها الطابع الروائي النخبوي الذي يسرد ويصف للقراء، بكلماته الفصحى المتعجرفة لفظياً ودلالياً، لغة بعيدة عنهم.

كتب ’’رامي عليق‘‘ تجربة تستحق النشر لأنها حية وحقيقية للغاية، كما أنها آتية من صميم قلب كاتب يهمه أن يكون القراء شاهدين على ما شهد. نيته أن يكشف النقاب عن جو أثار بداخله ازدواجية لا بل تناقضاً، بين ما هو وطني وما هو قومي – ضيق، لا قومية وطنية بل قومية شبه عرقية، دينية متشددة ورجعية.

من الانتماء إلى حزب الله طمعاً بشعارات رنانة تتمحور على فكرة المقاومة والخلاص من العدو الإسرائيلي، إلى العمل الحزبي المباشر في صفوف الطليعة الشبابية التي كان ’’عليق‘‘ يقودها، يحمسها ويوجهها حتى ينتهي به الأمر رافضاً لكل هذه المسيرة التي عاشها وعايشها لكونها عبثاً لا بل ضرراً تأسر الفكر وتعيده إلى ما قبل الوعي، هكذا يسرد الكاتب هذه المراحل في روايته بقلم مشوق ودسم في الوقت نفسه.
ولأن أمثال ’’رامي عليق‘‘ جديرون بالمتابعة، دخلت على ’’اليوتيوب‘‘ واستمعت إلى بعض ما قاله.

واحدة من المقابلات كانت مع تلفزيون البحرين حيث كان يعلّق على مفهوم ’’التقية‘‘ عند حزب الله تحديداً. استمعت إليه ولم يخطر بذهني سوى مفهوم ’’الإنسان القوي‘‘ و’’الإنسان الأخير‘‘ الذي تحدث عنه ’’نيتشه‘‘ في زرادشت. أعجبني نقد ’’رامي عليق‘‘ للبنية التحتية في التأويل الديني الرائج حالياً. بغض النظر عن ثقافته الواسعة عن الموضوع الديني ولكنه يتمتع بسلاح النقد. وهو جاهز.

الدعوة إلى الحوار، التعددية الثقافية، رفض للفكرة الانعزالية، المبادرة بالفعل – لا حصراً على أحد و بلا تمنن – والكثير الكثير من القيم الليبرالية التي تعنى بالإنسان أولاً، لأجل الإنسان أولاً و آخراً هو ما ينادي به ’’رامي عليق‘‘ وهذا مثال على ما نريده الآن – اليوم – إذا أردنا أن نهدم القديم لأجل أن نبني الجديد.

هو يؤمن بالإنسان، بالفرد الذي لا يجب أن ينصاع للجماعة بل أن يعمل لأجلها بمجانية ويحصد منها أيضاً عطاءه بحال التفاعل.
’’لبنان غدا‘‘ هي صرخة؛ في مشكلة، في مصيبة. تعو نقعد ونحكي ومش على شاكلة طاولة الحوار يلّي هي شكل من أشكال الكذب والتحايل السياسي. اتفضلوا نحكي بأي لبنان بدنا. وحطّت حركة ’’لبنان غدا‘‘ المواطن بالدرجة الأولى… ’’إذا في مواطن ما عندو منعة، ما عندو إيمان بوطنو، ما بتنحل أموره…‘‘ (رامي عليق، كلام الناس، 2008).
لا بد من اعتباره بالتوصيف العلمي لمعضلة بناء الوطن، ناهيك عن الصدق، ألا يجب أن يؤخذ ’’رامي عليق‘‘ على محمل آخر مما أدرِج عنه من شائعات في لبنان، ألا يجب أن نعتبر روحية ’’رامي عليق‘‘ منهجاً جاداً في العمل والمباشرة حالاً، قبل الغد، على الأقل في الحوار؟

رامي عليق: كاتب لبناني، محام، ناشط سياسي، أستاذ تربية النحل في الجامعة الأميركية في بيروت، مؤسس حركة لبنان غداً، وثورة 10 أكتوبر.

تابع المزيد المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.