’’تحت المياه الخضراء‘‘: هنالك كنوز وخلاص – بول مخلوف – 14 كانون الثاني 2017

تحت المياه الخضراء

’’من بين كلّ ما كُتِب، لا أحبّ سوى ما كتبه الإنسان بدمه.‘‘ – فريديريك نيتشه

الكاتب التجريبي لا يعول على اليقين العام، على المعترف به الذي أصبح عرفاً وشكلاً معلباً للحياة. المعرفة عنده ليست بالفطرة ولا مكتسبة، لا تؤخد من شاشات التلفزة ولا حتى من الكتب المقدسة، المعرفة تأتي من عمق الاحتكاك مع الأشياء ومع الناس، من صباحات الفجر الهادئة في أعلى تلة على جبل مهجور ومن صخب ليل مدينة لا تعرف النوم (كيف إذا كانت لا تعرف سوى صوت المدافع والصواريخ؟). من هنا تأتي المعرفة ولا تذهب، بل يحويها صاحبها لأن ليس له سواها حبيبة. وليس غريباً إذا عاش في عزلة، أي نوع من العزلة، فهو لا يفرض على أحد شيئاً لأنه أساساً لا يحب أن يُفرض عليه شيء. فلا مانع إذاً إذا كانت المياه بالنسبة إليه خضراء مثلاً.

إن حسابات الكاتب التجريبي مختلفة عما هو رائج في التشخيص والحكم، إنه الاستثناء لذاته أولاً، لأنه يعول على معرفته – وعلى حقيقتها – ويراهن عما هو أبعد من الراهن، إنه يراهن على تجربته لأنها تستحق العناء. إنه يتعاطى مع الحياة بأدبه كممثل يشاهد فيلما كان بطله، ملتفتاً إلى من حوله من المشاهدين وحريصاً عليهم.

فالتجريب في الحياة بالنسبة للأخير (الكاتب التجريبي) ليس للعبث وللمزاح بل لولوج الذات في الحالة حتى الانفجار، وهنيئا للرابح. هنيئا لمن فهم وتعلم، هنيئاً لمن لم يستسلم ولم ينهزم، هنيئا لمن انتشى في ربحه حتى الثمالة.

أهو ’’تائه في الحظيرة‘‘ لأنه ثمل؟  كلا، إنه واعٍ حتى العمى. من يعرفه يعرف هذه الحقيقة. لا يهدأ “رامي عليق”. لا ’يروق‘. يكتب كثيراً. لا وقت له ليثمل. إذا دخلت منزله وجلست معه تراه يدوّن على جدول أعماله أفكار أو خواطر. رأسه بمثابة إذاعة راديو تلتقط عدة موجات. يرد عليك إذا سألته، يخبرك إذا كنت تصغي ويفكر بأشياء لاحقة سيقوم بها. كل هذا في الوقت نفسه.

من المبهج (جداً) أن تقرأ لكاتب كتب بدمه. ’’رامي عليق‘‘ يهدي كتابه ’’تحت المياه الخضراء‘‘ ’’لكل مكافح لأجل الحرية‘‘. لقد أثبت التاريخ أن الحرية يجب أن يدفع ثمنها، وثمنها غالٍ. لكن من تجرأ ودفع ثمنها، عاش ملكاً.

طالب قيادي في الجامعة الأميركية في بيروت يروي عن الاجتماعات التي كانت تعقد مع بعض الشيوخ، مع الناشطين الحزبيين، مع أصدقائه (…) عن نقاشات تدور حول مسائل عدة وكيفية الدعوة إلى نشر بروباغندا طائفية تأخذ مجراها في العمل بهدف إلغاء كل شخص مختلف، كل رأي آخر، ومن ثم  يخبرنا ’’عليق‘‘ في كتابه كيف انتفض وثار ليضيء شمعة في الظلمة، أمنية حنونة سميت لاحقا بـ’’لبنان غدا‘‘ كحركة سياسية ترى المستقبل مشروعاً قريباً قائماً على السلم والعدل والاستقرار.

سردية الكاتب مشوقة ومثيرة، فهو لا يقدم لنا قصة تمر مرور الكرام، بل إن جملته تحوي شرحاً مفصلاً عن الأحداث، لا يستطرد  ولا يغافل، ’’رامي عليق‘‘ يعطي التجربة أكثر من حقها لأن سرده من البداية حتى النهاية متناسق بسياق زمني حقيقي فنرى أن الحبكة ليست مفتعلة ولا مقصودة، الحبكة هي حجته الأولى، محفزه الأساسي، علّته الحتمية.

لذلك لا يمكنك (كقارىء – اتفقت معه أم لا) إلا أن تتبع آثار قلمه. أحداث في عدة شقق من مباني بيروت، في المساجد أحياناً، في أروقة وقاعات الجامعة الأميركية في بيروت وحتى أحياناً في منزله، لكن المركز الأساسي لكل هذه الجغرافيا والأماكن ليس سوى ماهية الفكر الخميني ودعواته، بسردية الكاتب الذي يخبر كيف أن العمل على تجسيد مشروع يفوق السياسي في الممارسة يكمله الديني وبحال الفشل يأتي الترهيب، الترويع أو القتل.

في روايته هذه يكون ’’رامي عليق‘‘ هو البطل ولكن إذا فكّر بالموضوع مرة واحدة ينكر، لا بل ينفر. سيقول البطل لا يغدر ولا يبسط قوته على وجود الأخرين. لكن الناجي من محاولة اغتيال كانت أودت بحياته، الواعي كاملاً، الناقد الفذ، مربي النحل، جعل الحاضر الذي بناه منه بطلاً.

فهو لم يتشبث بالماضي على الطريقة ’’الأصيلة‘‘ أو ’’الدوغمائية‘‘ من خلال البكاء على الأطلال، على العكس تماماً، فكاتبنا التجريبي جعل من حياته تسلسلاً فنياً حيث لكل محطة فنّها في التدوين والإخبار لأخذ الحكمة من جهة والإرشاد من جهة أخرى.

’’عليق‘‘ لا يتوقف بسرده، فإذا أخبرنا مثلاً هو عن المواقف التي كان يتخذها أو عن الاستشارات التي كان يعيها فهذا ليس للتباهي ولا للتكبر. بل للبوح عن حقيقة مسار مجريات الأمور. بيد أن كل هذا أصبح بعض الشيء قديماً، لأنه في روايته هنا يخبرنا عن انتفاضته الأولى، عن ثورته الأولى، الثورة على ذاته (أوليس هذا ما كان شعار ثورة 10 أوكتوبر الذي ناشد بها؟) ففي الفصل الخامس من روايته ’’تحت المياه الخضراء‘‘ يخبرنا كيف كان من الصعب أن ينشر كتابه الأول ’’طريق النحل‘‘ وكيف كانت الرقابة تعمل لإجهاض مشروعه لا بل يشدد أيضا على أخلاقيات من جاوره وعايشه مسلطاً الضوء على كيفية معاملته من قبل أناس كانوا له بمثابة عائلة ولكنهم في وقت الضيق تجنبوه خوفاً على أنفسهم.

لكننا أمام شخص لا يعرف الاستسلام. عنيد، عتيد هو. إذا وضع القارىء نفسه مكانه (وهذا أيضاً من واجب القارىء) يرى صعوبات حياتية كثيرة، ونتحدث هنا على الجانب الشخصي. لا أحد يمكنه تحدي الكاتب بمدى محبة عائلته، ألم يبدأ القصة في أولها برسالة من أخيه؟ أو حتى، كم من مرة أظهر العاطفة تجاهه (طبعاً متبادلة؟) لكن ماذا أيضاً عن مواجهته لأهله؟ هذا جانب موجود في كتابه ولا يجب إهماله أبداً، لأنه يركز ويدل على حقيقة هذا الكاتب، على جرأة هذا الكاتب، على نبض وقوة ’’رامي عليق‘‘.

لذلك يمكننا الاستنتاج أن أرضيته الصلبة آتية من الحب. في كل فصل من الكتاب يرسم الكاتب لوحة بكلماته، يصف المشهدية بكل ألوانها وحالاتها، كأنه رسام انطباعي ماهر. والقول أن الحب بداخله محفز قوي وجاد ليس كافياً بل هو يجيد استخدامه، عقلنته باحتراف حتى يصبح للمحب وعداً قريباً، لقاء عزيزاً، اسمه ’’لبنان غدا‘‘.

لقد لدغت النحلة بين عيني ’’رامي عليق‘‘، غرزت إبرتها وكبّت سماً هائلاً حتى أنه شعر بأن جرحه، الذي نزف منه الكثير من الدم، جرح مميت. عندما صاح للمساعدة أتاه الغدر على شكل طعن، بسكين في أسفل ظهره من شخص يعرفه، من شيخ كان مقرب منه، وعندما رأى صديقه الذي كان معه في الحزب من أيام الجامعة لم يستنجد به فقط بل راى فيه ملاكاً حارساً مرسلاً من السماء ليساعده، فما كانت من مساعدة من رفيقه هذا إلا بالركل والرفس والضرب بالعصي على وجه ’’رامي عليق‘‘ المناضل لأجل الحرية، الذي نشر كتاباً عما عاش في سنواته العديدة في حزب الله كقيادي سابق وكأنه كتب آيات شيطانية.

هذا كلّه لم يوجع الكاتب حقاً، ما أوجعه هو خيانة الماضي، هو القلب المفطور الذي انكسر عند انتصار العدم على من كان منهم وبينهم، فيهم ولهم.

يجتاح الحنين كاتب ’’تحت المياه الخضراء‘‘. هنالك حنين من نوع آخر، توق مستجدى إلى عالم آخر، دافىء أكثر وخالٍ من الأرق حيال عقول بوليسية مستشرسة عاشقة للدم. تغص أعين الكاتب بالدموع في نهاية الرواية، دموع لا علاقة بها لا بالحزن ولا بالفرح، دموع بيضاء كالثلج (كما وصفها هو)، دموعه خضراء أيضا كلون المياه التي رآها. إنها لغته في القول، ناعمة مثل أيدي طفل، خانقة كمشنقة إعدام.

تابع المزيد المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.