’’تائه في الحظيرة‘‘: عندما يطفو الواعي فوق مياه الغرق – بول مخلوف – 20 كانون الثاني 2017

تائه في الحظيرة

لعل أهم سبب في نجاح أي مادة فنية هو تقسيم العمل أو توزيعه، إنه بند جزائي على الفنان دفعه. ميل الفنان لتجسيد ما تراه عينه، بتسلسل وتناغم لاستنباط عالمه الدفين بطريقة ساحرة وجمالية، يتطلب هكذا خطوة تكون، بلا تعريف، أعلى شكل من التنظيم.

دهشتنا من روعة الموسيقى الكلاسيكية واستمرارها على مدى عقود كامنة في سر هذه الموسيقى، في تركيبتها النهائية حيث لكل اَلة دور، نغمة، قلب ينبض لنحظى في النهاية بتحفة لا يفنيها الزمن. يشترط الأدب أيضا عوامل كهذه حيث أن نجاح أي رواية مثلاً يتطلب بناء شخصيات عدة يكون لكل واحدة منها فرديتها ودورها. التلاحم والارتباط بين الأحداث وبين الشخصيات ضمن سياق واسع يخلق مزاجاً عاماً يبني عالم الرواية.

هذه هي بنية الفن ولها رضخ كاتب ’’تائه في الحظيرة‘‘ ’’رامي عليق‘‘. لقد فهم السياسة التدريجية التي تقذف روح الفن إلى العلن وفهم أيضاً زواريب السياسة العامة أو ’’البازار‘‘ السياسي كما يحب اللبنانيون تسميته، علماً أن هذه الكلمة تعني ’’السوق‘‘ والسياسة بعلمها لا يفسدها إلا الأسواق ولعبة الأسهم التي لا بد فيها من تحييد الالتزامات الأخلاقية والإنسانية جانباً، لأنها بحسب تعريف المفكر الأميركي ’’ديفيد إيتسن‘‘: ’’العلم الذي يهتم بدراسة التوزيع السلطوي الإلزامي للقيم في المجتمع‘‘. هذا السوق نفسه، الذي تبيّن لاحقاً أنه استبدادي وقامع أكثر من السياسة اللبنانية، منع بيع كتب ’’رامي عليق‘‘ فيه بحجج واهنة (فعلى الأرجح أتت تسمية ’’اللبنانيون‘‘ بمحلها).

في ’’تائه في الحظيرة‘‘ (وهو الكتاب الثالث والأخير من ثلاثية طريق النحل) نرى جوانب عند الكاتب لم تظهر في كتبه السابقة. جوانب ذاتية تتعلق بقيمة بطل الرواية و قيمه. ’’رامي عليق‘‘ هنا أكثر نضجاً، أكثر عمقاً، أكثر نضالاً، أكثر رومانسية. وليست رومانسيته مقتصرة فقط على الجانب العاطفي بل رومانسية تجاه الوطن. فالملتزم تجاه قضية لا يكون العمر بالنسبة إليه سوى امتداد عشق ووله.

’’رامي عليق‘‘ يبحث عن إبرة في كومة قش. لم (ولن) يتوقف ولم يتريث – ولا حتى قليلاً – لأنه يعلم أن تخييط الخلاص لا ينجز بدون العثور على هذه الإبرة. ’’تائه في الحظيرة‘‘ هو كتابة رحلة ’’عليق‘‘ بتفاصيلها، إخبار للموقف، وقفة وجيزة أمام المراَة للبوح، إنها اعترافات ناشط شق طريق نضاله بأقسى حد للجرأة على العيار الثقيل.

يمكننا القول بأن كتابه هذا هو بمثابة مانيفستو لجمهوريته. لأن الكاتب وعلى غرار الكثيرين يرى أن التغيير الأساسي للوطن ينبع من أسفل الهرم وليس من أعلاه. على أثر هذه القاعدة تاه ’’رامي عليق‘‘ في وطن أشبه بحظيرة تتصارع فيه وعليه قوى إقليمية وأجنبية لتحقيق مصالحها وفرض أجنداتها ولو بتجنيدها سياسيين أو أحزاب لإدارة البازار السياسي وطبخ مكونات الصيغة الغائية وراء الكواليس.

يمكن أن يعتبر البعض أن ’’رامي عليق‘‘ (وبرنامج ’’لبنان غدا‘‘) قد فشل. هذا حق الناقد، ولكن من واجب الناقد أيضاً أن يعود إلى كتاب الأخير ويقرأه ليفهم حقيقة الأمور، حيثيتها، مجرياتها وإدارتها لأن المعترك السياسي في لبنان غير جاد، أشبه بأضحوكة ولا معنى للسيادة (بكامل أشكالها) فيه.

يخبرنا الكاتب هنا عن تجربته السياسية، لا بل كسياسي وهو حذق ونظيف. وصفه بـ ’’الطوباوي‘‘ (ما وصفه به صديقه) ليس بالأمر الغريب، لأن الكاتب، إذا كان برفضه القاطع لمسار بيئة حزب الله ومشروعه السياسي لم يدخل في ورطة السيىء والأسوأ، لم يختر طرفاً يشبه من يتعارض معهم (فكرياً وسياسياً) ليقف إلى جانبه. لقد جازف بنفسه حتى الاستنزاف ولكنه لم يقامر لأنه على علم بأن المزاحمة لأخذ مواقف مشابهة طعمه طعم الفشل ولا يجلب سوى الخسارة.

زيارته إلى السعودية اَملاً أن يؤمن تمويلاً مادياً لحركته الإصلاحية ’’لبنان غدا‘‘ باءت بالفشل. صديقه المقرب ’’عمر‘‘ كان مصراً عليه ليأخذ خطوة كتلك، علماً أن الكاتب كان قد شدد في أكثر من مرة أن التمويل يجب أن يأتي من المتحمسين للمشروع، من المنجذبين للطروحات، الذين يؤمنون بإنسانية الإنسان بمعزل عن طائفته ودينه. لكن أوليغارشية النظام السائدة فرضت ذاتها وتبين لـ ’’رامي عليق‘‘ أن السعودية تمثل شكلاً زائفاً بمعارضتها لمشروع حزب الله لكونها بمضمونها تشبهه للغاية. إذ إن المكونات البنيوية لنظامها، أي عامودها الفقري، هو النص الديني التشريعي وكل ما ينبثق عنها من سياسة ليس إلا تشعبات عن هذه المركزية.

دولة حديثة  تسعى إليها حركة ’’لبنان غدا‘‘ لا أحد يعلو فوق قوانينها، تتبنى التعددية، العلمانية، قبول الآخر، وأحوال شخصية مشابهة، لن تكون على وفاق أو على دعم من دولة لا تقبل إلا من يشبهها أو بالأحرى ’’تضع لافتة تعلو الطريق كتب عليها ‘غير المسلمين’ تمنعهم من الدخول إلى مكة‘‘ (رامي عليق، تائه في الحظيرة، ص25، سطر4).

قيمة نضال ’’رامي عليق‘‘ يتجلى بلا انتمائه. ووفقاً لمقولة ’’كولن ولسن‘‘: ’’الخيال ينبغي أن يستخدم، ليس للهروب من الواقع بل لإنشائه‘‘ مضى عليق في مساره بلا تردد جاعلاً من خياله طموحاً مستقبلياً قريباً.

مثلما يأخذ البعض من يقظته حلماً، يستلهم آخرون من تصوراتهم حلولاً ونماذج صالحة أكثر للعيش، هذه هي حال المصلحين والملتزمين على أي حال، وهذا ما هو عليه خيال ’’رامي عليق‘‘.

مناضل حاد هو، للكلمة المحكية وقع على نبضه، مثلما يثمل عند إلقاءه محاضرة أو مؤتمراً مضمونها مفهوم ’’لبنان غدا‘‘، يستشيط حماسا عند ’’المشارعة‘‘ عن مشاريعه. مناكفته زوج شانتال (التي كانت من أكثر المتحمسين والرائدين في حركة لبنان غدا) مثلاً أو غيره ممن لقبّوه بالـ ’’طوباوي‘‘ لم تجعله يشك للحظة في طبيعة عمله أو النقطة التي سيصل عليها، بل زادته عناداً و تصميماً لإصلاح الأوضاع الراهنة وبث الخير في أرجاء الوطن.

ومن المدهش حقاً حقيقة هذا الرجل. يخال المواطن أن الأطراف الموجودة في لبنان منقسمة بين موالٍ ومعارض، بين فرقاء وأفرقاء. طيّب، فرضاً أن هذه المعادلة صحيحة، ’’رامي عليق‘‘ المنشق عن حزب الله والرافض لنهج ذلك الفكر، رغم عدم انتمائه للطرف الثاني حتى – وأهدافه ومشاريع حركته لا تهم كل من يساوم أو يبحث عن مقعد في شكل السلطة الآنية – لماذا يختار شخصاً مثله المحققوق في المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس الحريري؟

يجثم الجواب بين السطور، أو في طرح معاكس للمعادلة القائمة، فكون الركائز السياسية بشكليها اتفقت عليه وتواطأت ضده إما مخابراتياً وإما إعلامياً، معناه تلقائياً أن التائه في الحظيرة ليس مثرثرا ولا بائع أوهام بل معارضاً حقيقياً يريد بناء ما تهدمه الدول وحلفاؤها لأجل المحاصصة وتقسيم المصالح.

بين الثورة والثروة اختار ’’رامي عليق‘‘ التمرد لأن الزمن الراهن شوّه المفاهيم و جرّد القيم. من يقبض على زمام أمور كل من الثورة والثروة جعل من الأخيرتين غاية وليس وسيلة، شوههما حقاً وجعلهما زائفتين. لم ينقلب فقط ’’رامي عليق‘‘ على الأمور بل سار بالمقلوب أيضاً، فهو في لا انتمائه لم ينتظر المخلص على طريقة المؤمن الساذج بل آمن بخلاصه في تمرده وخلع النقاب الذي يغطي الحقيقة مهما كان الزمان والمكان، لأن الحقيقة كالحرية لا تتجزأ. هذه هي الواقعية الفجة ومن أصحابها نستمد الأمل عسانا ننتفض على حظيرتنا لأجل بناء وطن.

تابع المزيد المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.