النهار – ’’أقوى من المتاريس‘‘ وأسوار الحقد ’’لبنان الحوار… و… إقتصاد المعرفة‘‘– 24 آذار 2008

nahar.png

ما أحلى وأبلغ المصادفات أحيانا…
شكراً لمارسيل غانم الذي – في أسبوع القيامة والمولد النبوي… استضاف في برنامجه التلفزيوني مَن جعلنا نتذكر ان لبنان ليس كله، فقط، متاريس سياسية تمزّقه، وأسوار حقد بناها له في أرضه الواحدة الذين لا يريدونه أن يستعيد وحدته ويعيش قدرها.
وقد خرج الزميل التلفزيوني ومحطته عن رتابة ما وصفناه مرات علناً (ولا نتراجع) بموائد ’’الرجل السياسي‘‘، الذي يدّعي ’’الحوار‘‘، في حين أنه بالكاد يستحق أن يوصف بالمناظرة… والفرق بين الاثنين ان الحوار يفترض منطقاً واحداً، بل ممارسة ديالكتيكية منفتحة، تقوم على محاولة الاقناع والاقتناع، في حين أن المناظرة تنطلق من تصميم المتناظرين (يساعدهم مارسيل وسائر أصحاب ’’برامج الكلام‘‘) على البقاء على ’’التمترس‘‘ كل خلف مواقف صار معروفا بها ويكرر اعلانها كلما سنحت له الفرصة ويصمّم على ألا يتنازل عن كلمة واحدة منها بين بدء البرنامج واللحظة الاخيرة التي يختتم بها، أيا كان عدد الدقائق، وأحياناً الساعات… وبالكاد الحد الأدنى من اللياقة في التخاطب ومن احترام عقول المشاهدين – المستمعين (؟) وينتهي البرنامج، كما في مآدب ’’زجل ايام زمان‘‘، بابتسامة عريضة تزيّن وجه الشاعر الزجال الذي يظن أنه هزم الخصم ’’خصمه‘‘ بالردة الأشد بلاغة! وطبعاً، لا أحد أقنع أحداً…

اللبنان الآخر الذي اكتشفناه مع ضيوف ’’كلام الناس‘‘ الثلاثة مساء الخميس الماضي كان:
لبنان إيمان دينين بالله الواحد الأحد تزامنا في أعماق نفس هادئة مطمئنة، ولا تحزيب لله ولا حرب ولا جهاد ولا حتى ’’مقاومة‘‘ باسمه، ولا تكليف منه بذلك معلوم، او مزعوم.
ويسير المؤمن هذا، واسمه رامي عليق ’’على طريق النحل‘‘ الى توحيدية لبنانية – انسانية في العمق، تعبّر عن حقيقتها الجوهرية بمحبّة تشع من العينين ومن تواضع الكلام الخفر انما الفائض بالصدق.
ثم لبنان ’’اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا‘‘ القادر لبنان الحالي على استعادة التفوق فيه وتعميمه والازدهار بفضله، مليارات من الدولارات، مثل سواه من الدول الصغيرة المبحبحة كايرلندا مثلا. جاء يتحدث عنه بلغة الارقام والاحصاءات سليم ميشال اده، انطلاقا من اختبار شركته ’’موريكس‘‘ اللبنانية التي تشكل فروعاً بالعشرات تمتد من الصين الى أميركا، مرورا بأوروبا (وبعض العالم العربي) وتوظف مئات المهندسين الشباب بنجاح لا مثيل له، وبنتائج تفيض معها أرباح بعشرات الملايين، بحيث تقتطع الشركة نسبة عالية من أرباحها الحلال توزعها منحاً دراسية ومساعدات اجتماعية بواسطة مؤسسات وجمعيات معترف بها رسمياً.
ويستطرد سليم (ببلاغة لعلها موروثة) إن ثمة ملايين ومليارات تنتظر لبنان لو يحسن استقطابها وتوفير سبل توظيفها في المجالات التكنولوجية وسواها، مما لا يحتاج الى موارد طبيعية ويكفيه قدرة اللبنانيين، بفعل ثقافتهم والبيئة ’’المعرفية‘‘ المتوافرة في لبنان ومؤسسات التربية والتعليم والبرامج والمستوى.
وأخيراً ’’لبنان تنظيم الموارد والخدمات‘‘ الذي حلّل تكامله صلاح بو رعد بدقة فائقة خالصاً الى ان الافادة منه ليست رهناً بأكثر من حسن التدبير الذي يدوزنها، داعياً الى مزيد من التنسيق والى تطوير الاجواء والادارات التي تؤمّن يناع اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، والتي تدرّ مؤسساتها أرباحاً مهمة، رغم قلة التنسيق والتدبير السائدة الآن، وكان من أبرز ما تحدث عنه المساعدات غير المعلنة لمشاريع ذات منفعة عامة ومؤسسات تعنى بالمساعدات التربوية والاجتماعية، من دون طبل وزمر.

… هكذا تكاملت صورة مجتمع لبناني لم تقو المتاريس على اقتسامه – ولو حاول بعضها تقسيمه، ولم يفلح… ولا يزال يحيا بروابط، ولو غير منظورة أقوى من حيطان الحقد وجدران العزلة التي تشيد هنا وهناك – وهنالك؟ – ولكنها لن تدوم ولن تمنع لبنان من أن يتحوّل الى ايرلندا أخرى، بعدما عجزت سنوات الحروب الطوعية حتى عن هدم عماره.
ولعل برهان التعلق اللبناني بالارض والحياة والبناء هو إحصاء أجري بعيد احدى جولات ’’الحرب الأهلية‘‘ التي صار ثمة اجماع على تقبل وصفها بحروب الآخرين أو ’’المن أجلهم‘‘!!! وقد أثبت هذا الاحصاء ان ما جرى ترميمه وبناؤه خلال الحرب يفوق الذي تهدّم أضعاف أضعاف.
والبرهان الآخر مئات البرقيات التي تلقاها سليم اده من لبنانيين في كل الاصقاع، من أوستراليا إلى نيويورك، يعلنون استعدادهم، بل رغبتهم في العودة الى لبنان اذا كان ثمة مجال لانخراطهم في مؤسسات اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، التي يمارسون الاعمال فيها حيث هاجروا، يأساً من وجود متسع في لبنان لمن يحمل مثل شهادات اختصاصهم.

يقودنا ذلك كله الى مقارنة بالطاولة المستديرة التي عقدها الرئيس نبيه بري مع نفسه على التلفزيون مساء الاحد واستعاد فيها تاريخ، بل تواريخ الأزمة الحالية ووساطاتها منتهياً الى ما فهمناه أنه تهيؤ للعودة الى ’’طاولة الحوار‘‘ ليطرح عليها الازمة مرة أخرى، متشجعا بأن مراجعة ما حدث خلال الجلسات السابقة أثبت بما لا يحتمل الشك – أو هكذا نحن فهمنا انه ثبت له من مراجعة المحاضر – ان الاتفاق بين جميع الأفرقاء كان ممكنا، وقد تم قولاً صريحاً مدوناً… فلماذا اذاً لا تعود الطاولة الى الاجتماع من جديد لتحسم الخلافات؟

رد فعلنا الفوري هو الترحيب بالقرار، اذا ومتى اتخذه دولته. ولكن لنا على ذلك شروط أولها ألا يأسر المتحاورين في السؤال الذي استغرق معظم حديثه التلفزيوني، وهو من الذي وافق على ’’الثلاث عشرات‘‘، ومن الذي خالف ومن الذي خربط ’’الحل‘‘ (الذي لم يكن في ظننا حلا!).
ونصيحتنا، ولنقل أمنيتنا ان يخرج الرئيس من المأزق الذي زجّ فيه “المبادرة العربية” (الطيبة الذكر، الله يرحمها) هو وصديقه الامين العام العربي، بطل ديبلوماسية ’’مكانك راوح‘‘ ليطرح على زعامات الاحزاب والتكتلات والطوائف التي سيدعوها للعودة الى ’’الحوار‘‘ موضوع صورة لبنان الغد كما يتصورونه، وكيف الوصول اليه.
رجاؤنا الأخير الى الرئيس بري ان يتمعّن ملياً في تركيبة الثلاثين وزيراً… وهل حظها في البقاء أفضل من ’’حظها‘‘ في الانفجار فور تركيبها، وفي أحسن الحالات خلال أول اجتماع لها للنظر في بيانها الوزاري!!
رأينا أن حكم لبنان لا يحتاج الى مثل هذه الآلة الفضفاضة، وأن حصيلة الاختبارات الدستورية تشير بما لا يحتمل التشكيك الى ان قلة عدد الوزراء كان دائماً يعطي الحكومات زخماً وقوة لم تتوافر للحكومات الكثيرة الوزراء… واكتشاف السبب لا يحتاج الى سحر ساحر، وهو مزدوج:
أولا: كلما كثر عدد الوزراء، تدنّى مستواهم، وتدنت مساحة تمثيلهم النيابي والشعبي.
ثانياً: إن مواضيع الخلاف والاختلاف تتكاثر حكماً بتكاثر عدد الوزراء، وأولها الخلافات على الصلاحيات والاختصاصات.
… و’’من جرّب المجرّب كان عقله مخرباً‘‘.
فاترك سواك يجرّب يا دولة الرئيس ووفّر علينا جميعاً وعلى نفسك عناء الاختبار… وحسرة اللف والدوران في الحلقة المفرغة: ’’من قال ماذا لمن، ومن وعد بماذا، ومن حنث بوعده؟ ولم يبقَ على العهد أمينا؟‘‘…
كلها سراديب تقود من ظلمة الى أظلم.
ومع ذلك كله، ’’طاولة الحوار‘‘ خير اختبار للصدق واستقامة الوعد، شرط ان يرافقها انتخاب رئيس للجمهورية لا شيء غير وجوده، ممثلاً للوفاق وضامناً له، يمكن ان يمنع انفجار لبنان وخطر زواله، بدستور او بدون دستور ! (أياً يكن هذا الرئيس) قائد الجيش، أو رئيساً مدنياً يصير بحكم رئاسته قائداً لهذا الجيش ورمزاً لوحدته، ويصير الجيش إذذاك حارس الحكم، لأنه يضمن الأمن وتنفيذ القوانين، مع التذكير انه كلما طرحت مسألة وحدة الجيش كان يثبت ان الحكم الموحّد هو الذي يصنعها وليس العكس. وكلما انقسم الجيش يصير ذلك نتيجة لانقسام الحكم وليس العكس.

تابع المزيد المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.